27 فبراير 2009

مكان


هنا ...

كان أمسُ حافلٌ

لكم اندثرت

هذه الدروب الصغيرة

في كل خطوة

من خطوات طفولتي

نمت عوسجة

غير أن بعض الأشجار

لم تزل تحفظ عهد الأمس ...

يا الله ....

كم مسّد هذه الشعاب

ثغاء الماعز

وخوار المحاريث

هنا ...

كان بيتنا

تنسجه أمي

من خيوط الشعر

نوافذه الصغيرة

تطل على النجوم والقمر

في ركنه

ينضج الشاي

على موقد هادئ

ويحلّى بالحكايات والأساطير

لكأنني أفيق من النوم

هذا مكان

تنور أمي

لم أزل أذكر جيداً

وجهها الهارب

من اللهب ..

وهذا أبي المنحني

فوق قادومه

يحارب ...

مع سنابله الصغيرة

سطوة الشوك

هذه درب العين

محفوفةً بالصحبة

والمواعيد الدافئة

وأغنية (عَلَمْ)

تكسر وحشة الطريق

هذه درب المدرسة

أسير فيها

مغمض العينين

محمّلاً ببقايا حلم

وحقيبة مكتنزة

وألتفت إلى الوراء

لأرى أمي واقفةً

في مدخل البيت

تتمتم بأدعية وتعاويذ ...




جمعة عبدالعليم يكتشف نفسه من جديد !




رغم المفارقة المعروفة بين الاتجاهين الرومانسي والواقعي إلا أن في أشعار جمعة عبد العليم تمازجا واضحا من هذا النوع، فرغم ما عُرف عن الاتجاه الرومانسي من قـُربٍ إلى الاحتمالات والتوهم أكثر منه إلى العقل والمنطق إلا أن في شعر عبد العليم نصيباً وافراً من الواقعية ؛ فهو لا يهيم في ضبابية الشعر، بل أشعاره تتناسب مع العقل وتبتعد عن الوهم، ومن ثمَّ فهي واقعية ورومانسية معا وحسب اطلاعنا على نتاج كثير من الشعراء فقد وجدنا تمازجا واسعا بين المدارس الأدبية في أشعار العقدين المنصرمين بصفة خاصة، فلم تعد القصيدة تقليدية خالصة ولا رومانسية أو واقعية وإنما قد تجتمع كل هذه المدارس الأدبية في أسلوب واحد وفي قصيدة واحدة، حتى وهي تجتاز عاصفة سريالية فرضتها الظروف على أفكار المبدع.
هذه القصيدة "بما يكفي" تحمل شتاتاً مثقلا من قناعات الرجل الناضج الذي عاش بما يكفي أن يعرف، نعم، (بما يكفي) هذه العبارة التي اتخذها لازمة يستنهض بها ما يعتنق من القناعات التي آمن بها.. فالرجل عاش بما يكفي أن يقول وأن ينصح وأن يأخذ القرار بنفسه، عاش بما يكفي للتعرف على ملذات الحياة، عاش بما يكفي للتعرف على الغث والسمين.. ولعل الشاعر اختصر كل ذلك في تلك المقدمة التي أعرب فيها عن نفسه ليظهر بأنه معتدُّ بهذه النفس واثقٌ بها :

أنا ناضج بما يكفي
لأكتب قصيدتي
(كن نفسك تختزل العالم)
فعلى الرغم من قصر تلك المقدمة إلا إنها تبيّن تصميما قاطعا لا يقبل الشك بدليل أنه لا يكتفي بما يؤمن به بل يدعو الآخرين إلى ذلك التصميم والتمسك بإيمانه الفكري.. كما تحمل هذه المقدمة تشفيرا وإيجازا شديداً لأشياء كثيرة يريد قولها (عبدالعليم) : (كن نفسك تختزل العالم) هذه العبارة الفلسفية لم يقدمها على طبق من ذهب لكي يتمتع بها أصحاب الخيال الدوني وإنما هي تعبير غير مباشر عن رسالة نفسية مستترة، مرسلة إلى فكر أعمق يحلل ما بها من تكثيف وتعدد للرؤى.
قصيدة (بما يكفي) تعتبر نسجا جديدا لجمعة عبد العليم، تحسّ معها بأنه دخل في جوٍّ من البهجة بعد أن كانت قصائده في ديوانه الأول (عصيان الكلام) يسيطر عليها التردد والقلق وفقدان الأمل والإحباط.. فنراه يصرّح أحيانا بواقعية لا تدع مجالا للشك، ضاجّاً من ظروف الحياة وقسوتها فيقول :
هل تسمحون لرجل
في الأربعين
أن يقول قصيدته
هو محبط جداً
زوجته تسرقها الأمومة
أبناؤه يقلقون خلوته
(1)
وأحيانا أخرى نراه يصرّح بالرمز عن اجتياز الآخرين له، من سلكوا طرقا معوجة للوصول إلى حقوقهم وحقوق غيرهم، وهو يقصد بمن يدعون بالتماسيح أو القطط السمان كما يسميهم البعض، كناية عن نهَّابي هذا العصر واستلائهم على كل حق وباطل من أمام الفئة المتأنية الصابرة :
الذين جرَّدوا البحر من أمواجه
والليل من أحلامه
والأشجار من أوراقها
ربما سافروا قبلك من سنين
(2)
لقد ترك جمعة عبد العليم تلك النغمة الحزينة وألبس شعره ثوبا جديدا من القوة النفسية، هذه القوة رفعت من معنوياته وجعلته يدوس على السفاسف والخواطر الحزينة التي كانت تكبله وتـُشعِره بالإحباط وتعيقه عن الطموح وتجدُّد الأمل ..
أنا صابر بما يكفي
لأبتلع سماجة اليوم
وأتنفس في هذا الخَواء
لأحتمل هجر الأصدقاء
وانشغال الزوجة
وقسوة الأولاد
إنها انطلاقة جديدة لجمعة عبد العليم، تحسُّ بأنه قد ضرب مشاكله القديمة بعرض الحائط وألقاها وراء ظهره فلا عودة لها، فليحتمل هجر الأصدقاء ويحتمل انشغال الزوجة عنه ويحتمل قسوة الأولاد، ويندرج ذلك على كل المشاكل القديمة إلا ثلاثة مواقف لن ينساها، تتراءى له من بعيد كلما أراد أن يبتهج، إنها : ( لقهر امرأة / وإذلالها بالزواج ) و (لِـيُــتْمِ طفلة / تجرعته باكرا / فصبغ حياتها بالزهد )، هذين الموقفين هما في أغوار نفسه البعيدة، من خصوصياته المسكوت عنها التي تلكمه من حين لآخر.. أما الموقف الثالث فهو (غابة تئن / تحت وطأة المعاول).. وهنا تبرز مفارقة ؛ فالرجل يحب الغابة، يحب من الطبيعة براءتها.. كذلك الرومانسيون يحبون من الطبيعة أن تعبَّر عن نفسها.. فلا يخفون هوجسهم بالغابة المتشابكة وبالأمطار الغزيرة والأمواج العاتية والرياح القوية.. ولكنه يكره الريح ففي باب :
أنا صادق بما يكفي
لأن أقول
بأنني أكره الريح والجند...

ربما قصد الريح المدمرة وليس الرياح التي تدغدغ الأفكار وتغنّى بها الشعراء والتمسوا منها إيصال السلام المفعم بالعشق إلى حبيباتهم البعيدة.. وعلى العموم أنا مبتهج أيضا بهذه الانطلاقة الجديدة لجمعة عبد العليم ؛ ذلك لأني أعلم بأنه على الرغم مما يقوله عن نفسه في أشعاره من وجود مصدات وعوائق تقف عثرة في طريقه إلا إني أعرفه شخصا ممتعا، صافي النفس حسن الخلق، تنعم بالجلوس معه والتحدث إليه.

(1) جمعة عبد العليم ـ ديوان عصيان الكلام ـ مجلس الإبداع 2006 ـ ص 27.
(2) المصدر نفسه ـ ص 17.

25 فبراير 2009

من حفريات الطفولة


… انتصف الليل
أتلمّس المقابض الصدئة
أفتح أبواباً مشوشة
نباحٌ ونعيقٌ وعواء
أمطار تسقط
فوق أسطحٍ من صفيح
عراكٌ ودموع
وخوفٌ يتشبث
بقوائم الكوخ

… انتصف الليل
استيقظ الحزن
جداولُ ملوثة
بقططٍ ميّتة
حقيبة مهترئة
أرجلٌ تنتعل البرد والحصى
ويدٌ غليظةٌ تهوي
على مؤخرة الرقبة

… كانت أمي
حين يغربلها السباب
وتعجنها اللعنة
تتكور تنوراً على التنهدات
ولم تكن سيجارة أبي
ـ في تلك الليلة ـ
تكف عن الاشتعال
تومض لحظة التقائها
بسحبٍ بيضاء
ثم تنطفئ في صدره المحترق

… انتصف الليل
ومصارعة الطلاسم
أمام فتيلة معمدةٍ بالكيروسين
والمشاوير الصباحية الراكضة
اتقاءً لعصاة الزيتون
المحفور على جوانبها
(العصا لمن عصى)
ونقش الأصابع القاسية
على وجوه يصقل حمرتها
برد (بيت ثامر) القارس

… كانت أمي
تحملني كل يومٍ
بإفطاري الصباحي
مغموساً بدعواتها الرطبة
وتتحايل على رفيقي
الأكبر سناً
كي يحمل عني الأسفار
التي لا افقه عنها شيئاً

(بيت ثامر)
قرية الشاعر

(من ديوان عصيان الكلام وأشياء أخرى)

كثيرٌ ممن أعرف



نلتقي غداً… !
هل أضمن
أن يتركني الحزن
وأنت تعودين غداً
هل أضمن
أن تعودين
تماماً كما يفعل
أفضل ألأصدقاء
العالم موحش
دون صديق ..
صديق يلوك معك
قسوة الرتابة
يقاسمك الحكاية
يسيء إليك
وتبقى تحزن لغيابه
صديق تهرب إليه
من نفسك
من دوامة الكذب
من زيف المشاعر
تستند إليه
وأنت تتمرد
على السائد
وتبصق على
كل المتعارف عليه
أنا حزين …
لست بحاجة
لأن أناور
كل هذا الوقت
لأقول بكل بساطة
أنني حزين
افتقد …
صديقاً حقيقياً،
يستوعب قلقي
ونزقي وحيرتي
صديقاً كالأم
يُعمى …
عن عيوبي العديدة
ويقبلني كما أنا
أنا تائه ..
تجتازني الحياة
وكأنها حلم
أكره أن
أقوم بالواجبات
رغم طيبة قلبي
أفضّل جدية المآتم
على هرج الأعراس
أفتح نفسي ككتاب
لكل الذين أحبهم
وأعجز أن احتفظ
بهامش للمناورة
الكراهية فوق طاقتي
انسحب بسلام
من حياة الذين
لم أعد اعتبرهم أصدقاء
ألجأ للكتابة
كلما داهمني الحزن
كلما خذلني الأصدقاء
كلما عجز
عن فهم روحي الحائرة
كثيرٌ ممن أعرف.


(من ديوان عمر آخر)

القصيدة



القصيدة تحتاج
وتراً مشدوداً
ضحكة مكبوتة
لعاشق يداري عشقه
حسناء تعرف
كيف توقض لغة الشعر
موسيقى لبتهوفن
فيروز...
ماجدة الرومي
أفقاً يقبّله الغروب
بحراً تنعكس فيه
روح السماء
مطراً وأزيز نوافذ
ليلاً من الدهشة
فنجاناً من القهوة
أعدته بنت تعرف
كيف تمنح روحها
لمذاق الأشياء
صديقاً يسبقك
لما تريد أن تقول
ابتسامة مدللة
حزناًَ عميقاً
رعداً يقصف
أودية تفيض
رائحة نار مبللة
بعطر الشتاء
مزمار راعٍ
وشخب أثداء
ـ أنّا لي ذلك
وأنا أدور مع الكرسي
كزهرة عباد الشمس ـ
القصيدة تحتاجك
حين تختارين النغمات
تشرعين نوافذ الشعر
على مدى الاحتمال
ليست القصيدة
عملاً ذهنياً
ولا معادلة يوزن طرفاها
القصيدة نبع من الروح
فيض من الذات
يتدفق فقط
عندما يوجد من يستحقه
كم من ليلة مرت
على رجع قصائد
ماتت مع الصباح
كم من بوح
تلاشى كالحلم
مع أول ضوء
القصيدة ليست فقط
مجرد كلمات مصفوفة
يمكن أن تكون القصيدة
مجرد ابتسامة
فنجان من القهوة
دمعة على خد صقيل
طفل يستقبل أباه
بخطى من اللهفة
ثكلى تبكي وحيدها
القصيدة …
ضرب من السحر
فمن يكون الساحر سواك
وأنت تتواجد فيك
الفصول الأربعة
بدموعها وابتساماتها
وخصامها ورضاها
ما أجمل
أن تكون القصيدة
لعيون حسناء
لروعة حسناء
تعرف كيف
تنصب الفخاخ
للقصائد الهاربة

(من ديوان عمر آخر)

وأنت بعيدة


القصيدة تحتاج حضورك
تحتاج قوامك الممشوق
لتخطو على مهل
ابتسامتك…
لتعلن الفرح
دموعك لتستطيع
أن تبكي
روحك حتى تتأنسن
حكاياك لتنتشي
حين تغيبين…
تغيب القصيدة
تختلط الصور
يتملكني سوء المزاج
فأبعثر الكلمات
بلا جدوى
أتبلد …
فتولد العُرى ميتة
أتوق فتهاجر
أسراب الروح
خلف سرابك
أنا المولع برقص الحروف
فوق الشفاه
صدى الدموع
في المآقي
دوزنة الأوتار
في الليالي المقمرة
بغباء العاشق
وهو يداري
لوعة الفراق
ببحة أغنية
حفيف فرشاة
أو وهم قصيدة
كيف لي
أن أكون شاعراً
بدونك …
كيف لي أن أفرّق
بين الشعر
وبين الهذر الذي
لا تكونين فيه
أنا الواقع
تحت إغواء الصور
كيف لي
أن أتصور العالم
خالياً منك
وكيف لي
أن أقول القصيدة
وأنت بعيدة .


"من ديوان عمر آخر"

بما يكفي


أنا ناضج بما يكفي
لأكتب قصيدتي
ـ كن نفسك تختزل العالم ـ
أعشق النساء
والقهوة …
وفوح السجائر !
أحب الليل
ـ أكره أن أنام
وأتركه وحيداً ـ
أكره الظلم
وكثيراً ما أتوجع
اليوم بطوله
لقهر امرأة
وإذلالها بقواعد الزواج
ليتم طفلة
تجرعته باكراً
فصبغ حياتها بالزهد
لمدينة يغتصبها الجند
وغابة تئن
تحت وطأة المعاول
أنا هكذا
أدور في ذات الدائرة
أنا لا أكرّر
أنا أصرخ
لعلي أسمع صوتي
أنا صابر بما يكفي
لأبتلع سماجة اليومي
وأتنفس في هذا الخواء
لأحتمل هجر الأصدقاء
وانشغال الزوجة
وقسوة الأولاد
حين يتركونك تغلي
على مراجل القلق
وهم يمارسون
حقهم في الحياة ..
أنا شاعر بما يكفي
لاصطياد كلمةً
تصلح لاحتواء جنوني
والقبض على صورةٍ
تقترب من وهم ذاتي
ذات ربيع
أنجبتني أمي
بعد سلسلة من الثكل
فكبلتني بعشقها القاسي
ـ ليلة مات صغيري ـ
وجدت لها العذر
وبررت رعبها
الذي لا يزول
أنا عاشق بما يكفي
لأن أرى الجمال
في كل شيء
في القمر المتباهي
في لحظة اكتماله
في البنت التي تمشي
على رؤوس جموحها
في المطر الهادئ
في رائحة التراب المبلل
في الشمس
حين تنطفئ
في بهجة الغروب
أرى الجمال
في كل شيء …
دائماً مخلوطاً
بنكهة الحزن ….
أنا صادق بما يكفي
لأن أقول
بأنني أكره الريح والجند
وغطرسة الأكاديميين
وكذب الأطباء
والمدن الضاجة
ويقلقني النهار
فأقضي جله في النوم
أنا واعد بما يكفي
لأن أقول ذاتي
فتظهر صورة العالم …

23 فبراير 2009

ميلاد












في غابة عبقة
برائحة الفقر
وفحم البطوم
وعلى شفا
عين تنضب
تناول شهيقه الأول ..
طارد الفراشات
والسنابل المختبئة
في أحضان الشوك
امتطى بساط الفضول
وهو يطالع السماء
كل ليلة
من نوافذ الاحتمال
استمع للحنه الأول
من رحى أمه
ولم يزل .........
ذلك العزف الجنائزي
يعاوده ...
حتى صبغ
قصائده بالحزن
عشِقَ الأرض
وهي تتبرج
لشبق المحاريث
المطر ...
يرطب كبد
اللهفة للحياة
العصافير ...
تبني بالغناء
أعشاش العشق
............
ساقته عصا المعلم
صوب منطقة الأشياء
رويداً رويداً
تحولت الدهشة
إلى مسلمات
وصار يفقد
لذة المعرفة
ضاعت منه
تلك اللغة الشاعرة
تلك التي عرفها
في استسلام القمح
بين ذراعي الرحى
في أهازيج أمه الحزينة
ترافق خبز اليوم
في أغاني العشاق
وهم يروون عطشهم الأبدي
على تخوم العيون
.........................
استسلمت الخطى
للطرق المعبدة
وتنازلت ..
عن تنوع الامكنة
لبيوت تسكنها الرتابة
وحده الحزن
ظل يأخذه كل ليلة
يحفر في قلبه
حنيناً أبدياً
لحياة تلاشت
في زحمة العيش ..
"من ديوان نشوة القول"

أحياناً أكتفي بالمرور سريعاً




"أحياناً أكتفي بالمرور سريعاً " : الجزء الأول من قراءة الشاعرة حواء القمودي لديوان (عمر آخر) للشاعر جمعة عبدالعليم

(إلى سالم العوكلي … الشاعر الذي ما قرأت له يوماً إلاّ وعاودني الحنين إلى الكتابة ) ص3
هكذا يشرع لنا الشاعر جمعة عبدالعليم فضاء ديوانه الأول (عمر آخر) الصادر عن منشورات المؤتمر هذه المجلة التي صارت علامة في رصد مشهدنا الثقافي بالإبداع الليبي ، شعراً وقصة ورواية ودراسات متنوعة ، إذا يشرع جمعة فضاء ديوانه ، يفرش لنا المدخل بسجادة مغرية ، فالذي يعرف الشاعر سالم العوكلي يدرك ماذا يعني جمعة عبدالعليم ، فكأنه يعتذر مُسبقاً إذا كان شعره ليس كما الشاعر العوكلي ، أو كأنه يحيلنا إلى لعبة التناص التي قد توجد في نصوصه ، وفي فضاء التكهن ندخل إلى النص الأول في الديوان ، ثمن فيروز ص5 ، والشاعر خلال ديوانه برع في اختيار عناوين النصوص ، حيث صارت مفاتيح للدخول ، وها هي فيروز سيدة النجوم ترحل بالشاعر إلى عوالم قصية ويرحل بنا هو إلى عالمه ، حيث هو مع صوت فيروز ..
(يتفجر الليل حزناً قاسياً وأنا بلا صديق ) ص6
لكن هذا المقطع يحيل إلى الفضاء الأول إلى الشاعر سالم العوكلي ، حيث هو الصديق الذي يبوح له الشاعر بهذه الرحلة الطويلة / القصيرة وهو يبدأ حكايته لصديقه على مهل ، يحدثه عن حياته ، وعن صوت فيروز إذ يفجر ينابيع الحزن ..
(سلم لي عليه … بوس لي عينيه ) ص6
(ألا أستحق صوت فيروز ؟!
يكسر وطأة الليالي الموحشة
يعيد لي زمني الهارب
أصدقائي الذين رحلوا
تمردي الذي
لم يكن له حدود ) ص7
اللغة السهلة ، القريبة ولكنها حارة وضاجة ، مكتنزة بالألم ، وسيختم الشاعر توطئة الحديث/ البوح لصديقه ..
(أعطيك قصيدة
بدلاً عن (احنا والقمر جيران)
أعطيك ديواناً مقابل
(أنا عندي حنين)
أعطيك عمري
وأعود كما أنا ) ص8
الشاعر جمعة عبدالعليم وخلال أكثر من قصيدة ، برع في إخفاء تفجر النص حتى اللحظة الأخيرة ، حيث يرسم نهاية النص ، ويصل بالصورة إلى لمسة الفرشاة الأخيرة ، يصعقنا بالجملة الخاتمة وبالصورة التي تفيض بالدلالة ..
أعطيك عمري
وأعود كما أنا
وكأن الشاعر بصورته هذه يفتح النص التالي (مجرد إحساس) ص8 ، ويجب أن لا نغفل أن الشاعر هو في حكاية بوح لصديق حميم ، يسرد عليه تفاصيل الحكاية بدقة/ لذا سيدخل إلى فضاء آخر حين يقبض على نفسه وهو محتفٍ بتفاصيل أنثى … حيث مجرد إحساس .
(العطر ….
حيث يجد فيك شذاه
ويتشرف الشعر البريء
أن يحتفل بهذا المهرجان
الذي يرافق حضورك ) ص12
ببساطة شديدة يواصل البوح ، ويصعّد من حالة السرد ، ويدخل إلى (كثيرٌ ممن أعرف) ص13 ، وهذا النص يقلب معادلة نصوص أخرى ، إذ يكون المقطع الأول منه هو الذي يفيض بالدلالة ، ويحمل عبء النص كاملاً ، بل يكاد أن يكون هذا المقطع أن يكون نصاً متفرداً ،
(نلتقي غداً ….. ،
هل أضمن
أن يتركني الحزن
وأنت تعودين غداً ؟
هل أضمن أن تعودي
تماماً كما يفعل
أفضل الأصدقاء ؟ ) ص14

وتبدأ فصول الحكاية في التفتح ، والمطر يتدفق ، وتبدأ (وأنتِ بعيدة) ص19
(كيف لي
أن أتصور العالم
خالياً منكِ
وكيف لي
أن أقول القصيدة
وأنت بعيدة ) ص22
إذاً هو لم يعد يبوح لصديقه ، هو صار يحكي ، يرسم تفاصيل هذه التي تغيب القصيدة حين تغيب ، ولذا تجيء (القصيدة) ، ص23
(ما أجمل
أن تكون القصيدة
لعيون حسناء
لروعة حسناء
تعرف كيف
تنصب الفخاخ
للقصائد الهاربة ) ص28
وفي ( مصالحة ) ص29 ، يواصل توضيح العلاقة بين طرفي معادلة هي والقصيدة ،
(تحتاج القصيدة
لمن يستحقها
لمن ينصب لها
شركاً من الرقة
حينها فقط
تنتفض من رمادها
وتولد من جديد ) ص32

لكن السرد المتوالي ، والنصوص التي تناور ، تجعل من (مناكفة) ص33 وكأنها بيان ثوري عن صفات إنسان / قديس ، إنسان يتجمل ، لينصب الفخاخ لأنثى تناور ، الفخ ليس إلاّ هذه الكينونة الشفّافة ،ولكنها كينونة تعيش بيننا ولا تدّعي أكثر من ذلك ..
(لست نبياً
ولم يمدني الراهن
بمعجزاته …
كأن تكون مثلاً
مرفوعاً ……..
بمالك الوفير
مرموقاً ……
بمركزك المميز
محفوفاً …
بهيبة القبيلة) ص34- 35
وسيظل ينوّع على بشريته التي تقترب من القداسة وينفي عنها النبوءة ، هو فقط يعوّل على جسده ،وعلى قصيدة النثر ، على (السيجارة) وفنجان القهوة ..
(على حكاية صغيرة
ليزهر القول
قول في مساحة الفعل
وكلمة تقوى …. ) ص37
وفي (كل المواسم) ص39 ، تجيء الحكاية ، تصبح المعشوقة ، كائنة نراها ، لأنه يتحدث إليها ، ويجيد الشاعر في تقسيم النص إلى أزمنة وإلى فضاءات ، حيث يبدأ بالصباح ثم المساء ثم اليوم ثم …
(كل لحظة …
تجرين المشاعر إلى باحة العشق
الكلمات …
إلى معبد الشعر
الخطى ..
إلى دوامة الحيرة ! ) ص41
والحيرة تكبر ، ومساحة البوح تزيد ، والشاعر في (حاجات) 43 يريد أن يتكلم كما الأطفال نقياً وبريئاً ، وأن …
(أغني للبنت المثيرة
التي طلعت
فجأةً في آخر العمر
أحبك … ) ص44
وهو يحتاج إلى كثير من الأشياء التي تعيد له العمر الذي يضيع ، امرأة ومقهى وأصدقاء ، إنه خائف من هذا الآتي ، من هذه الكلمة الصغيرة التي وضعها في أول النص (أحبك) ، لذا هو يحس بالحزن ..
(أحتاج من
ينتشلني من حزني
أنا حزين جداً
هذه الليلة
بحجم هذا الوطن)
وهو مشدود ، هو مقيد بهذا الوطن ،وبهذه الأسرة ، وبهذا العمر وهو ينحدر من قمته ، ولكن (في البيت) ص49 ، ثمة بنت يراها ، يرسم تفاصيلها ، ويواصل البوح ..
(لماذا حين اراك أرجع عشرين عاماً ؟!
يخذلني المنطق
تتخلّى عني
تجارب السنين) ص51
وتجيء (وجهان للوعة واحدة) ص55 ،
(الغياب عنك
تجربة مثيرة
تتبع شذا عطرك
في مسالك الذاكرة
تخيل عينيك من بعيد …
استرجاع اللحظات المدهشة
لحظات الحزن العميق
كصوت فيروز ) ص56
إذاً صار الحب الحقيقي فتجيء (لكِ) ص59
(لك كلك
للجسد الطاغي على الوصف
للروح المتمردة
للحنان المنساب
المتدفق ….
للروعة المترقرقة
في صحارى العمر
أقف حائراً
أرتل صمتي ) ص59
لكن مازالت المناورة تفيض ، مازال الخوف من الاعتراف بالمشاعر ، والسرد يتواصل ، والبوح تعلو حدته فتجيء تحول) ص63 ، ولذا نعذر الشاعر وهو يفيض في القول ، يحاول التبرير ، فهذا النص حين يصل إلى المقطع الأخير ، يحيلنا إلى هذا القلق المخيف ، ذلك لأن تجربة الحب مخيفة ، والاعتراف بوجود هذا الكنز في القلب يحتاج الكثير من الشجاعة ..
(أمس انتظرتكِ
انتظرت
فكان غيابك
خليطاً من الأسى
واللهفة والانتظار
مزيداً من الأسئلةلماذا كلما رأيتك تتسرب
سنوات العمر مني
وأولد من جديد ؟؟ ) ص66

وحين تجيء تفسير ص67 ، نجد المزيد من الخوف والحيرة والقلق والتوجس ، والرعب ، إنه رعب حقيقي يبرع الشاعر في رصد خطواته ،
(ثمة بنتٌ رائعة
تجلس على مرمى نفس
تبث عطرها الأخّاذ ) ص68
وعاشقٌ يتأهب للحظة البوح لنفسه أنه يحب ، لكن ثمة محاذير كثيرة ، لذا المغامرة محسوبة ،
(ما الذي يبقيك
أيها المتهالك ) ص69
هذا الحوار الداخلي يصل إلى ذروته في نهاية النص ليفتح بوابة الحكاية ، الحكاية التي تفضي إلى عاشق ، العاشق الذي يقف على الأعتاب ، والأعتاب التي تنتظر خطوةً شجاعة ،
(لا شيء … لتبقى ساكناً
في مواجهة العاصفة
ثلجاً في بوتقة النارمتردداً والتيار يسحبك
إلى آخر المدى ) ص70
وما زالت نصوص الديوان تمطر ، وما زلت ارتعش ، أرتجف بهجةً ، وصعقة الشعر تذهلني ، لذا سنعود لأن (عمر آخر) ديوان شعر حقيقي .





" أوصد أبوابك ما هذا الضوء بنور الشمس "

الجزء الثاني من قراءة الشاعرة حواء القمودي لديوان عمر آخر للشاعر جمعة عبدالعليم



(عمر ٌآخر) الديوان الشعري الذي يستحق هذه الصفة ، وتستحق النصوص فيه أن تسمّى شعراً ، رغم أن بعضها بسيط جداً ، سهل التناول ، لكن التجربة الشعورية الحارة هي التي أحالت هذه النصوص البسيطة إلى سمة الشعرية ، لكن ، ثمة نصوص تخلب اللب ، وتجعل المتلقي يعيد قراءتها ، وتتوالى البهجة في التلفظ بمفرداتها والتوقف عند صورها الشعرية ، حتى وإن كانت الصورة مكررة ومقروءة عند شعراء آخرين ، لكن تجربة الشاعر (جمعة عبدالعليم) تجعل منها صورةً خاصة بنصه و نابضة بما يجيش به قلبه ، وخلال هذا الديوان لعب الشاعر لعبة الحكاية ، حيث يسرد قصة حب ، يبوح لصديق حميم بتفاصيلها ، قبل أن تبدأ ، وحين أحس تسللها إلى داخله ، وفي كل نص يسرد فصلاً جديداً من الحكاية ، حتى لحظات الخوف من الغرق في بحور الحب ، مواجهة الواقع البليد ، إنه (الشاعر) يأتي بكل التفاصيل ، ويبوح ويصل إلى (نشوة) ص97 ، حيث العاشق لا يأبه إلاّ بهذا الكشف ويغرق ، لذا سيحكي لصديقه ما حدث :
(لم أنم !
ليلة البارحة
ـ الفرح كالحزن
يمكنه أيضاً
أن يصد عنك النوم !! ) ص98
النشوة تدب في الروح ، خمرة الحب تسكب عصيرها في القلب ، والبهجة تطير بأجنحة التوق ، حيث عاشق يبوح ـ لم أنم ! ـ جملة إنشائية ، بسيطة هي وعادية ، ولكن ليلة البارحة وإشارة تعجب صغيرة ـ وجملة شارحة الفرح كالحزن إن انهمار العاشق بالحكاية يجعله يفيض بتفاصيل كثيرة ، يتلذذ بتذكر كل الأشياء التي عاشها ، يتذوق كل المشاعر ، ويواصل اكتمال صورته ..
(لم أجد مدىً …
يتسع لبهجتي ) ص98
هكذا تنتهي الصورة الأولى ، عاشق يهدهده العشق ، يحس دبيب الحب ، فلا ينام ـ لأنه لم يجد قلب صديق ليخبره ولا مكاناً يتسع لهكذا فرح سماوي ،
(خفت أن
يقتلني السر
فوشوشت القمر
ـ حين كان يمسح
عن وجهه
غيوم الشتاء
وبحت للريح
وهي تعاند المطر )
القمر اللاهي الذي يمسح غيوم الشتاء عن نوره الساطع ، والريح المعاندة التي تعاند انهمار المطر ، وقف شاعر/عاشق وباح لهما بالسر ، لأن القمر سيواصل ظهوره ، ولأن الريح ستمضي إلى مكان آخر ، وكلاهما سيمضي ومعه حكاية حب يبوح بها ، والشاعر يواصل رسم تفاصيل المشهد ، مشهد العاشق الذي يبوح لنفسه ، يعترف بالحب ..
(كان بودي أن أعدو
أن أتبلل بالبرد
أن أصرخ
ملء انتشائي
أن أسير حافي القلب
وأرقص عارياً من هيبتي ) ص99
لقد صار عاشقاً يحب الذين يكرهونه ويرى ثقيلي الدم تجعلنا نشعر بحرارة الصدق ، لأنه صار يحمل في قلبه أعمق شيء ، وسيقبض الشاعر على العاشق في لحظة نشوة عارمة فيرسم الصورة ، ضاجة وحارة وعنيفة ، رغم أنها تبدو عادية ، المفردة التي نراها ، وربما نتلفظ بها ، لكن الشاعر حين حوّلها على صورة شعرية ، فإنه أحالها كنزاً من الدلالة ..
(فكرت …!
ـ في آخر الليل ـ
أن أطرق بابك
وأسألك من جديد
هل مازلتِ
ترتعشين برداً
لأخلع جسدي وأغطيكِ ) ص99
العاشق الذي يبوح بكل التفاصيل والشاعر الذي يرسم المشهد يزيحان الخطاب في هذه الصورة إلى المعشوقة ، العاشق في الصورة السابقة كان يسرد التفاصيل لذاته ، ليعترف بهذا الكنز الذي عثر عليه في قلبه ، وفي الصورة بعد أن يبدأ الخطاب فكرت كما في الصور السابقة ينزاح الخطاب إليها :
(أن أطرق بابك
وأسألك من جديد )
لقد منحها القلب والروح والعقل والنفس ، لم يبق لديه شيء إلاّ جسده ، ولهذا هو بجرأة العشق يفكر (في آخر الليل) أن يذهب إليها ليسأل (من جديد) ، إذاً ثمة حوار سابق ، حديث وحدث كنَّ في النهار ، إن الشاعر لا يترك لنا مساحة بياض كي نملأه بخيالنا وتفكيرنا ـ إنه يملأ كل الفراغات لكن صورته الشعرية ، وحرارة التجربة يغفران له ،
(ـ هل ما زلت ترتعشين برداً ـ)
لقد منحتكِ كل شيء ، كل ما لدي كي تشعري بالدفء ، ولكن إذا كان بعض البرد ما زال يترصدكِ فخذي جسدي (لأخلع جسدي وأغطيك) .
إن حسية الصورة التي جاءت في فعل (أخلع) تجعلنا نشعر بحرارة الصدق الذي يغمرها ، هكذا ببساطة (أخلع جسدي) ، إنه آخر ما تبقّى لدي ، لكنه لكِ ، لأنك حبيبتي ، وكيف أكون عاشقاً وحبيبتي تشعر بالبرد ، !!
ويغلق الشاعر (النص الدائري) الذي يكتمل عند المشهد الأخير ، وينام كما الشاعر/ العاشق ،
(البارحة كان كل شيء
غير الذي كان
وكنت أنا غير أنا
أطبقت جفني
على آخر شيء منكِ
ونمت كما لم أنم من قبل ) ص100
ولذا صارت (فاتحة) ص101 النص الذي يلي (نشوة) ، ويكمل قصة الحب ، الحب الذي صار واضحاً ، فهل يكتفي الشاعر بمجرد الإحساس ،
(الآن وقد فتحنا
كوةً في البوح
وانتشر ما حاولنا أن نخفيه
من عبقٍ وأريج
هل تشاركينني جنوني !!
هل تقفين معي
تحت وابل العشق ) ص102
ويختم (مفاتحة) بعد أن يحكي لحبيبته عن أحلامه في الحب ، عن رهافته ،
(أحياناً …
ينتابني الحزن بلا سبب
فأحتاج حظناً دافئاً
يتسع لحزني ) ص104
يختتم النص متحيزاً لهذا العمر الجديد واثقاً من قدرة الابتسامة والكلمة الحنون أن يهباه سعادة الدنيا ،
(بفنجانٍ من القهوة
أنضجته نار العشق
وسكبته أصابع البنت التي
بعثت موت القصائد
فأصبحت عمراً آخر
أنتفض من رمادي
لأحيا له ) ص105
إذا (عمر آخر) هي الحبيبة التي حين يراها ـ تفر السنوات منه ـ ولكن ليولد من جديد ، وتكون هي (عمر آخر) تجعله كما طائر الفينيق يعود إلى الحياة ولكن فقط ليكون لها ، ليعيش من أجلها ، وحين تجيء (ملامسة) ، تكون حديث عاشق لحبيبته ، يتواصل بالخطاب معها ، ناسياً أننا معه نستمع بلهفة لبوحه ،
(أتفاجأ بك
حين يفوح من النوافذ
شذا عطركِ
من النظرة الحائرة
مدىً آخر للانتشاء
دفئاً في ليالي الشتاء
الطويلة الباردة ) ص109
ولكنه كأي عاشق في مجتمع مغلق ، يحاول أن يوصد الباب أمام العيون الباصة ، فتجيء (أحياناً) ص111 ،
(أحياناً …
أكتفي بالمرور سريعاً
حفاظاً على كذبة الهيبة
أبدل لهفتي
بوقار كاذب ) ص114


(أعطيك ظهري
وأعود أحمل
كل همسة ،
لمسة عابرةابتسامة وتكشيرة
نظرة حائرة) ص115
هو العاشق الذي امتلأ بعطر الحب ، وأراد ن يقف وحبيبته تحت (وابل العشق) يتذكر أنه يخالف المنطق والواقع ، إنه يخلق عمراً جديداً ، ويبعث النار في قصائده ، لذا يفاجئ حبيبته بذاك التهذيب والوقار ، وحين يعود إلى ذاته ، إلى مكانه الحميم ، يظل يتلمس زاده ، كشحاذ أعمى ، يتلمس بشغف تفاصيل اللحظات ، الهمسة واللمسة والابتسامة والعبوس والنظرة المتسائلة : لماذا ؟! ، وإنه الشاعر جمعة عبدالعليم الذي برع في عدة نصوص في هذا الديوان يجعل الخاتمة في النص مكتظة وشفّافة ،
(أعود بيومكِ كله
أعيش عليه
بقية يومي ) ص115
في حالة ص121 يعيش قلق الحب ، عذابات الأسئلة الموجعة ،
(تغيبين …
فيفترسني الشوق
تحضرين …
فيقتلني الحنين ) ص123

وما زال الشاعر يسرد حكايته ، يواصل البوح في (سيرة) ، إنه يلخص حكاية إنسان يحب ، فيسرد حكاية تشبه حكايته ، كأنه يحاول أن يجد نقاطاً للقاء ، أن يعرف ما هذا السر ، ذاك الواثق صار ينهبه الشك والخوف ، لم يعد يعرف ؟
(فيعود مترنحاً
آخر الليل
إلى سريره
تزاحمه الآمال والمخاوف ) ص127
لكن مساحة الخوف تكبر ، فتجيء (لم يعد شيء يروق لي) ص129
(لا استطيع أن أكون
عاشقاً وصابئاً
مشتاقاً وصابراً
يمكنني فقط أن أكون
واضحاً …. ) ص123

العشق إيمان ، وهو لا يحاول أن يموه هذه الحقيقة ، إنه عاشق ، إذاً كيف يطلبون منه أن يكون كافراً ؟ ، هو يذوب اشتياقاً لحبيبته فكيف يصبر ؟ ، هو الواضح كالشمس ، النقي كهواء الفجر ، ما الذي يحدث حوله ؟؟
(لم يعد شيء يروق لي
مللت رتابة هذه اللعبة
وإن كان مؤلماً وقاسياً
وغير عادلٍ
أن اختتم ديوان العمر
عند باب الرثاء
إلاّ أنه لم يعد شيء
يروق لي …. ) ص134

لذا يفجر حزنه ، ونأتي إلى (أن أكون سعيداً) ص135 ،،
(يمكنني الليلة …
أن أكون سعيداً
حبيبتي …..
تودعني بكلمات
هادئة
ومنمقة
تقطر قسوةً
أصدقائي يهجرونني
عائلتي تتابع أخبار النجوم … ) ص136

وحين يجيء إهداء الديوان هو آخر نص في ديوان (عمر آخر) فإن الشاعر يقلب المعادلة التي يكون فيها الإهداء هو مدخل أي عمل ، إن الشاعر جعل (إهداء) ص141 ، تختم ديوانه لأن قصة الحب آن لها ان تنتهي نهاية تقليدية ، نهاية تشي بهذا المجتمع المزيف الروح ، (حين نداري رائحة العشق ـ كأنها رميم ـ بينما تُزهر الفضائح) ص132 ، لذا تعود الأشياء إلى كذبتها ، ويعيش العاشق (حزناً عميقاً ، وعمراً لا يهدف لشيء) ص143 ، لكنه يجد أن هذه الحبيبة تستحق هذا الإهداء ، وكما ودعته (بكلمات هادئة ومنمقة تقطر قسوةً ) ص136 ، فها هو أيضاً يحاول أن يكون قاسياً :
(للخطى التي
تنصلت من رفقة العمر
فصار العمر
درباً موحشاً …
لنجمة المساء التي اختفت
خلف سحاب الأنا
غافلةً ….
عن العيون التي
تتقلب في السماء
أهدي وجع لاقلب) ص145



(عن جريدة الجماهيرية ، العددان 5128 ، 5134 لسنة 1375 و.ر)



هوامش :
§ عمر آخر ـ جمعة عبدالعليم ـ طب أولى ـ من منشورات مجلة المؤتمر .
§ أحياناً أكتفي بالمرور سريعاً ـ من نص أحياناً (ديوان عمر آخر) ص11 .
§ أوصد أبوابك ما هذا الضوء بنور الشمس من قصيدة ( الرحيل إلى الداخل ) للشاعر جمعة عبدالعليم ـ مجلة الفصول الأربعة ـ العدد (المشهد الشعري الليبي) ص196


تناسل



حين يحتويك الليل
وتضمك الجدران
حين يبيعك الأمس
وتتخلّى عنك الذاكرة
تصعد درج المحاولة
تتخبط في مفازة الأسئلة
تتهيأ لك الحقائق
تتفرس في سحنة الزيف …
ثم تكتشف أنك
لم تكتشف شيئاً
تبني من تأتأة الأمس

فضاءً لأبجديتك
تحيك من الوجوه المسرعة
مدىً للتخيل
يتشربك الفضول
وأنت تبحثُ عما تساقط ….
على يد المجهول
عن الأمس الغامض المفقود
كيف له أن يلد اليوم
يغادرك الجسد

وتبحث في علة الروح
في هذا الانكسار الدفين
تلكز تمردك الحرون
تطلق تمردك للريح
وفي كل مرة
يعاندك هذا الشعور المقيت
ويدور حول نفسه
لم تزل تقول …

لم تزل تحيا …
كما آدم
أنت قادم بلا أمس
يتيم بأمك وأبيك
تتخذ من الكلام نسباً
وليس يعنيك الصدى
تخلع شرنقة الأربعين
ترتق آدميتك الممزقة
وتواجه دون سلاح
ترفض كل شيء
ققط يظل القلم
وبقايا ليل
يهرب من النافذة ..

(من ديوان عصيان الكلام وأشياء أخرى)

ما يسمونه قصيدة



صَخَبُ رفاقه المهرولين
صوب المدرسة
أنين الجرس العجوز
النشيد الوطني
يتسمر له مُرتجفاً
ثغاء الماعز
وشوشة المحاريث
رائحة النار المبللة
الجارة العانس
تفض بكارته
مَرَج المدينة

زملاؤه المتهندمون
مقابل سحنته البدوية
الأوزان والقوافي
التفاضل والتكامل
الأب القاسي الحنون
دموع أمه الصامته
هَرَج المدارس الداخلية

الزلازل والبراكين
السماسرة والمرابون
الأحلام المسروقة
صخب ..............

فقليلاً من الصمت
لرجل ينحدر
صوب الأربعين
الشوارع تهذي بخطاه
والأزقة تردد سيرة عشقه
سافر يوماً في عيون
ألقمته الغياب
فتوكأ على عجزه المكابر
وصار يجتر ذكرياته الباسلة
فماذا تنتظرون منه
غير أن يغوص في أعماقه
ليس عنده بطولات ليسردها

وليس لديه أفق ينشده
أدمن نكهة الماضي
وسد في وجهه الأمس سحنته
وحيداً يغوص في وحل الأرقام
وتلتهم أبوته الأفواه ….
صابراً يدحرج حجر العائلة
يقول دم القلب
فيتهمونه بالشعر
يتألم ….
فيصفقون له
وهو يختتم ما يسمونه قصيدة
( من ديوان عصيان الكلام وأشياء أخرى)

أوجاع



أجمل القصائد
هي التي لم تكتب بعد .
أعظم القصائدهي التي
لن تكتب أبداً
تقابلني كل ليلة
على شفير النوم
أكتبها ….
ثم أكتشف أنني
كنت أحلم
الكون كله قصيدة
وجع الأطفال المُكتوين
بلعبة الكبار الأثيرة
(لعنة الحرب)
وجع الأمهات
حين تزف البنادق
أبناءهنَّ إلى المقابر
وجع الأرض تستبيحها
أقدام الطغاة
وجع السنابل
يهجرها المطر
في لحظة العطش
وجع الغابة
تداهمها شهوة النار
وجع الزنازين
تحتضن آلام السجناء
وجع الأنبياء
يُزج بهم في متاهة اليومي
وجع الشاعر
حين تنكره القصيدة
وتهجره البنت
المعجونة بالشهوة
وجع الليل
يُغادره الأصدقاء
فينكفئ وحيداً…….
الكون كله قصيدة

فلماذا نتصيد الكلمات
ونشحنها ……
بالمعارف الخائبة ؟؟
حين يتهدج صوت فيروز

حين تتدحرج رويداً رويداً
دمعة ……
من عيني طفلٍ تواجهه القسوة
حين تبكي الأم

تلك ...................................
تلك القصيدة الكبرى …..

(من ديوان نشوة القول)

مقاطع من سيرة الولد الرافض



" إلى روح ابني إبراهيم الراحل في ربيعه السادس عشر "






حادثة :

الولدُ المولعُ
بالقفزِ فوقَ الأوامرِ
المستَبيحُ …
نكهةَ النواهي
لا تُثنيه السقطاتُ
عن بهجةِ الصعود …
المُولعُ بالمخاطرة
- يعدو على
حوافِّ السطوح
ويعبرُ أمامَ
العرباتِ المسرعة –
متحدياً برودَ الموت ..
المُشاكِسِ الجريء
المُقبل بنهمٍ
على لذةِ الحياة
الولدُ الذي
فشلتُ أن أكونَهُ
فكانني ..
الواثقُ من ذاته
الرافضُ بشجاعةٍ
عفونةَ الوصايا
الولدُ البِدعة
الخارجُ عن النمط
سرَّب أخيراً
إلى الأسمنتِ الباردِ
دفء وجهه
المليءِ بالندوب
واحتضنَ الأرضَ
بيديه المتعاقبتين

تقرير :

العينانُ …
شاخصتان
الأنفاسُ مقطوعة
النبضُ متوقف
إنه ميت …!

رحلة :

مَهيباً …
تحرّك موكبه
صوبَ المقبرة
تَقَدَّمَهُ أقْرَانَهُ
يحملون باقات ِ الورد
وفي عجلةٍ صاخبة
كان قد وُورِيَ التراب !!
…………….
ولمّا فَصَلَتِ اللَّحظاتُ
قلتُ أنني
أجدُ ريحه
لولا أن تفندون
أراه الآن
وهو في المهدِ
يُعلِنُ صرختَهُ الأولى
وهو يتهجَّى
أولَ الخطى
وهو يسقطُ
ويقوم …
يتمردُ على الواجبات
يتحدى قسوةَ معلمه ..
وهو يكتبُ دروسه
بخطهِ الرديء
وهو يستفزنا
بشقاوته …
أراني الآن
وانأ أقبّله
أشتري له
بذلة العيد
أعاقبه … واندم
أقسو عليه
وأنا أعجب بعناده
وحين اخلد للنوم
أحبه .. وأدعو له
أراه الآن
وهو يأكل
وهو ينام
وهو يلعب
وهو يخرج متسللاً
أراه الآن
وهو ملقى
على الأرض
يسرب للاسمنت البارد
دفء الحياة

دهشة :

وكأنه لم يملأ
هذا البيتَ صخباً
وكأنه …
لم يشاكس
إخوته
ومعلميه
وكأنه لم يضع
إصبعيه القصيرتين
في عينِ الحكمة
وكأنه لم يترك
البيتَ ميْتاً
ولم يُعِدْهُ للحياة
بطرقاته العنيفة
وكأنه لم يحمل
عبءَ حقيبته
صوبَ المدرسة
وكأنه لم يقلِب البيتَ
بحثاً عن جواربه
هو فقط
ملقى على الأرضِ
يسربُ للأسمنتِ البارد
دفءَ روحه …

واقع :

الضَجّةُ الكُبرى
تخفت …
رويداً رويداً
الأصدقاء يبتعدون
الأقارب يتناقصون
النواح يخف
وتتسلل …
بعضُ الضحكاتِ المترددة
الحياة تمضي …
غير عابئةٍ بطفلٍ
سربَ إلى الاسمنتِ الباردِ
دفءَ ابتسامته
نلوكُ الساعات
سمجة … ثقيلة
ونتجرعُ …
مع فناجينِ
القهوةِ المرّة
كلامَ المعزين
الذي يفترض
بداهةَ الموت !!

عبق :

في كلِ زاوية
لُعْبَةٌ مرميّة
ذكرى …
يستنهضها الفقدُ
صفعةٌ قاسية
قبلةُ عيدٍ
على رأسٍ أشيب
كراسةٌ لم تكتمل
وكتابٌ مفتوحٌ
على آخرِ درس
على هذا الجدار
خطُّك الركيك
وفي تلك الزاوية
رسومك الساخرة
التقيك …
كل يوم
في دموعِ أمَّك
المنسابةِ كجدول
في نواحها الذي
يُقطّع القلب
في ذكرياتي معك
حين يضطرني
ما تجرعتُ
من يقينٍ كاذب
لأن أكونَ صارماً
وولهي بك
يملأ قلبي
أقمعكَ …
وفي أعماقي
فرحٌ بتمردك
بروحك الرافضة
بشهامتك …
وأنت طفلُ القريةِ
الذي يقومُ
على شئونها ..
تحبك العجائزُ
عكازاً لشيخوختهن
رباتُ البيوتِ
رسولاً لطلباتهن
زملاؤك …
تحملُ بشجاعةِ رجلٍ
مسئوليةَ ما يقترفون
من ذنوبٍ صغيرة ..
مرحٌ .. لَعِبٌ
تمردٌ .. سخرية
يا صغيري …
من أين
… جاءتك الحكمةُ
لتدركَ سرَّ الحياة ؟!

حقيقة :

لن يعود
لن يزرعَ الشَّغبَ
من جديد
في حياتنا الجرداء
لن يرميَ
روحَه المتمردة
في مفاهيمنا الراكدة
الحياةُ تقفُ هنا
لتتغير …
أنا وأمَّه
يتعكز كلانا
على ما يبديه الآخرُ
من كبرياء كاذب
في الصباح الباكرِ
وأنا أتناولُ
كوبَ الحليبِ الباسلِ
أشعرُ بفراغِ العالم ،
حين تختفي
ملابسه ..
على حبلِ الغسيل
حين تنتظمُ العائلة
حولَ مائدةِ الطعام
فيخلو مكانه ،
بقسوةِ الموتِ
حين ينتزعُ منا
مِلحَ البيت …

يقين :

كلما ..
خفت الضجةُ
يتجذرُ الألم
كلما سادَ السكونُ
يصفو …
قاعَ الحزن
بيني وبين الغطاءِ
طفلُ يسربُ للأسمنتِ
دفءَ ابتسامته
بيني وبين النومِ
أرق عنيد …
……………….
…………………………..
أشكو بثي وحزني
إلى الله ……….
إلى يده الكريمة
تُربّتُ على قلبي
إلى الله الذي أودعتُه …..
فلذة كبدي
يودِعُني …
سلواناً وصبرا ..
حكمة :
أقبلَ على الحياة
يكسِّر قواعدها
يستبيح …
له ولسواه
ما نخضعه لسماجة القسمة !!
يهرّب …
للأقارب والجيران
ما نخبئه
في خزانة المطبخ
يُطعِمُ ……….
الباعة المتجولين
ويحمل أمتعتهم !!
يطارد ..
بهائم الجيران الشاردة
ويعيدها إلى حظائرها
وحين غادر الحياة
كان وجهه للأرض
وظهره للسماء
وعلى زاوية الفم
شبحُ ابتسامةٍ ساخرة …
زيارة :
السلام عليكم
يا إبراهيم …
يا فتىً ألفته
فلمّا بلغ
معيَ العشقَ
رأيت أنني افتقده
اجعل قبرك روضةً
من رياض التمرد
ولا تجعله حفرةً
من حفر الانصياع
………………
أمك تقرؤك السلام
حمَّلتني بكلمات
تختلط بالدموع
أن أقرأ لك الفاتحة …
جدتك تفتقدك
وأصدقاؤك يحيونني
بأدبٍ زائد
كلما مروا
مخبئين في عيونهم الصغيرة
ظلالَ شفقة ..
البيت بدونك
بِركَةٌ من الصمت
الأشياء التي توضع
لا تتحرك
من مكانها
الأبواب لا
تطرق بعنف
وصوتي لم يعد يعلو
اغفر لي …
كلَ جهلٍ
حاول َ أن يؤطرَ
روحَكَ الثائرة
في أيقونةِ القيم
كل حكمةٍ بائسة
حاولتُ بها
أن أكبِّلَ
انطلاقةَ الحياة
اغفر لي جهلي
بأنك سوف
تغادرُ سريعاً

(من ديوان نشوة القول)

من ذاكرة البيت والمدرسة




حين كنا صغاراً

قالت أمي :

الضحك للنساء

قال أبي :

ضحكة المرأة عورة

قال المعلم :

الضحك من غير سبب

من قلة الأدب

قال الفقيه :

لا تضحكوا كثيراً
وأيًٌ منهم يخلو إلى أصدقائه

كانت تفاجئنا القهقهة !!

........................
صفعةٌ على مؤخرة الرقبة


كان أول ما عدت به من المدرسة !!

.............................
الغزلان الأرانب الحمير …


هكذا كان معلم الفصل يقسمنا

والغريب …

أننا صرنا على يديه

بشراً أشقياء

.............................
من يعيد إلى مذاقي


ملوحة الجبن

وقرمشة الرغيف ؟؟

.....................
ذلك الولدالذي كان


يلتهم الوصايا والمسلمات

وقف بعد ثلاثين عاماً

ليراجع حساباته ...



"من ديوان عصيان الكلام وأشياء أخرى"

مناكفة



أي قول …
في مساحة الفعل ؟
وأي كلمة تقوى
على تحدي الامتثال ؟
لم يُصدّق المسيح
إلاّ بمعجزة البعث
ولم ينجو الخليل
إلاّ ببرد النار !
لست نبياً
ولم يمدني الراهن
بمعجزاته …
كأن تكون مثلاً
مرفوعاً ..
بمالك الوفير
مرموقاً …
بمركزك المميز
محفوفاً ….
بهيبة القبيلة
………
أمزق حجاب الكلام
وأفتقد سمنة البيان
لا أملك سوى
قصائد منثورة
يستهجنها النقاد
المفطومون على
ميمية المتنبي
وتُخفق الذائقة المغلقة
على التصور المسبق
أن تستسيغ
مذاقها المختلف
لست نبياً
لكنني أبكي للغابة
حين تدكها النار
للطفل المبكر
حين يُصدم
بقسوة معلمه
للبنت العاشقة
حين تؤطر بالزواج
لست نبياً
لا أعد بالجنة
ولا أتوعد بالنار
لكنني أحس
وجع العالم
حين تدنسه الحروب
حين تذله المجاعات
حين يسفر الباطل
عن وجهه الصفيق
ويبادلك الحجة
لست نبياً
وأعوّل على الجسد
لتتزن معادلة العشق
على النثر
لتكتمل القصيدة
على السيجارة
وفنجان القهوة
ليتعطر الفم
على حكاية صغيرة
ليزهر القول
قول في مساحة الفعل
وكلمة تقوى …


(من ديوان عمر آخر)

سيـرة



طلعت فجأة …
في حياته
فاسترجع أيامه الغابرة
شد أوتاره لأجلها
وعاد يلملم الكلمات
ليبني على شاطئ العمر
عواطفه من جديد
هي الساحرة …
تبتسم
فيخفق القلب
تعبس …
فتظلم الحياة
تبث عطرها
فتتلقفه الحواس
تسحب أصابعها الممشوقة
من بين يديه
فتتبخر أحلام وعواطف
ورغبات …
تقابل تلهفه
ببرود الواثق
فتضرم فيه الشك !
تسكره …
فيعود مترنحا
آخر الليل
إلى سريرة
تزاحمه الآمال والمخاوف .
(من ديوان عمر آخر)

22 فبراير 2009

مقاربة



لن أكتب القصيدة
إلا لمن يصمد…
يعيش الحياة
يداوي مُرّها بحلوها
يمسح بابتسامات
الطيبةِ قلوبهم
ما تراكم في الآخرين
من سماجة وثقل دم !
يمكن للحياة
أن تتسع لنا جميعاً
ولا توجد مسطرة
بين الخير والشر
الرذيلة والفضيلة
القبح والجمال…
العين …
هي التي
تخلع أوصافها
على الآخرين
فيمكنها …
أن ترى الجمال
على قدر ما في القلب
من رقة وحنان
لا يوجد من هو
سيءٌ بالمطلق
وليس ثمة ملائكة
يوجد عشاق
يمكنهم أن يجاوروا
بين الانتشاء
وسوء المزاج ..
بين الأسى والفرح
بين صرامة الامتثال
ولذة المعصية
تحتاج الحياة
لمن يلاعبها
يأخذ منها ويعطيها
يخلط أوراقها
يسرقها …
يخادعها ….
وينقض على مبهجاتها
بما تيسر له
من حنين و رغبات ..


(من ديوان عمر آخر)

تجـاور



النهار يطمس
رقة الليل
الكراهية …
فوق قدرة الحب
الباقة اعتداء صارخ
على قداسة الورد
والابن الغائب
مسمار في خاصرة الذاكرة ..
الوطن …
تلتهمه ألسنة الخطابات
التنوع حياة
والتوحد عبادة !
الكتابة نشوة
والصمت يقين ..
…………..
………..
شمسٌ تُشرقُ
شمسٌ تغربُ …
ولحظات تتناسل
من بعضها …
حالات تسود
وأخرى تزول
ضحايا وجلادون
ضعاف بالكراهية
وأقوياء بالطيبة
كلمات تُصف
لتكون قصيدة
وأخرى …
إعلان حرب
طعام يربو
فتكون التخمة
وآخر يندر
فيكون الجوع
دموع يبذلها الفرح
وأخرى يدلقها الحزن
مساءات …
ترقص بنشوة
وأخرى …
تتثاءب بملل
أميون يسيلون علماً
وعلماء جهلة
فتاة تجر إلى
باحة الرقص
وأخرى إلى
مقصلة الزواج
حوار مبتور
وآخر يطال علة الروح
عمر يمضي
وموت يأتي ..

تغيّرات



هناك .....
على حافة العين
حيث كان القطيع مرتوياً
يجتر ذكريات العشب والماء
خرير الساقية يقتنص
صمت الثغاء
، وحفيف أوراق التين
حين تنفر الشياه
رأساً رأساً
عند هطول الزوال
تقتفي ما ترك الصيف
من عشبٍ يابس
حين كان الخريف
يتنازل للشتاء
في لعبة
تبادل الأزمنة
فيمتلك الفرصة
ليجمع الغيوم
لموسم قادم
تزحف فيه المياه
من تحت سريري
العائم فوق شجيرات العوسج
كان الرعد يقصف
والوديان تفيض
والسنابل تبزغ
في سماء الحقول….
حين كان للربيع
شذى العطر
وللحصاد….
لهفة اليد والمنجل
حينها….
فاجأتني القصيدة
……………….
…………………..
تغيرت الفصول
صار الشتاء بارداً
بلا مطر
وصُودِر الصيف
لخريف طويل
تغير كل شيء
وظلت القصيدة …

طرابلس



يقولون طرابلس الغرب
أقول …
طرابلس القلب
في حواريك الضيقة
فسحة لصخب الميادين
وعلى كل باب
ـ من أبوابك القديمة ـ
مطرقة لعبق الماضي
ونكهة الحنين
يا وجهة الفرسان
والولاة
والآغات
والبدو المتعطشين
لرائحة السلطة
يا محط الحضارات
ومنتهى القوافل …
يا مرمى القنابل
أتيتك على خافقٍ
من كل فج مريد
أتيمم بترابك العفي
وأتذوق لكنة بناتك
التي تثير ارتباك الحواس
أنا البدوي الهارب
من سطوة القبيلة
أغتسل عند شواطئك
من قسوتي
وأريح عمراً
أرهقه الرحيل
أتيتك عاشقاً
خدي مداس
لسطوة الكحل والجرأة
في عيون نسائك
للخضرة والحقول والسواني
للساحات الضاجة
بنكهة التاريخ
للقصور والسرايا
للقلاع والسجون
والآلام والمظالم
للعشاق والثائرين
للدراويش والشعراء
لروعة الليل
ودفء الشتاء
للموج المتكسر
عند أقدامك
لعبق الزيتون والبرتقال
لتهجد الشيوخ في الزوايا
وهمهمة الخيل
ورائحة الثورات
ومفارق الطرق

رحى أمي

"مهداه إلى الصديق أنور الحرير الذي رفض أن يبيع رحى أمه"

قدّهـا أبي بقادومه من إرادة صخرة
وأهداها ذراعي أمي
تدوّرهـا ذات اليمين
وذات الشمال
وقلبها مبسوط
لقبضة القمح
مبهوراً بشذى طحينهـا
كم مرة نمت
ـ على رجع لحنها ـ
في حضن أمي
.............................
تلك إذاً رحى أمي
مصدر رزقنا
كم أطعمت من سائل
وكم داعبت من حالم
وكم هدهدت أرِقاً
وكم أيقظت عشقاً
على قلبها
لم تزل بصمة أمي
وكلّما دُوّرت
يفوح شذى أمي
.........
....................
..........................................
لم أزل
أسمع صداهـا
مخلوطاً بثغاء الماعز
وتقافز الحملان
بالأرض التي اهتزت
تحت المحاريث
وربت بالسواعد
فأنبتت كلَّ
حلم جميل
بالجواد الأصيل
يستعير كبرياءه
من روح فارسه
.............................
رحى أمي
وموسيقاهـا
عذوبة لحنها
تداعب أحلام الصبايا
وتستشرف القمح
في أفق المُـزن
أملاً تطرحه
لضنك العيش
ودعوةً للمقاومة
وإن نكن
بعنا الحقول والمراعي
وأهدرنا الخير المعقود
في نواصي الخيل
وجئنا برغيفنا
من غيم الآخرين
فلم تزل
رحى أمي
قابعةً في القلب
لأنها لا تباع ...

قصيدة الحواس والذاكرة المتّهَمة

الشاعر سالم العوكلي بعدسة أحمد يوسف عقيلة

جمعة عبدالعليم .. ذاكرة ملحة تقف على مرمى أسئلته الدائمة .. سيل من البوح الطفولي ينحت مجراه كيفما شاء وخوف لا يخفت من غابة المكان وغابة الشعر .. ضراعة (أنا) مرتبكة تُصدّر قلقها إلى مسطرة اليوم الملقاة حسب خطوته .. شكّل ضمن مجموعة من الشعراء صوتاً شعرياً يحاول أن يجانب السائد ويتلمس خصوصيته .. عاش في قرية جبلية يشطرها الطريق العام إلى ضفتين .. حيث الآخرين وجوه عابرة خلف زجاج العربات لا تفشي عن ملامحها .. وكتل تمضي سريعاً تاركةً عوادمها وضجيجاً لا يخفت إلاّ مع الظلام .. وهكذا هي قصيدته محاولة لمسح الضباب عن الوجوه المسرعة .. وجوه بلا ملامح تتراكم في قصائده وتمضي سريعاً تاركةً ضجيجها .. هكذا قصيدته مكابدة مُرّة لعجز غامض ، عجز ليس وليد ضعف .. لكنه وليد تأمل بطيء يتشابك مع رغباته وأحلامه العصية (بيت دعائمه من ديون) أو (مراوغة عبء العائلة) ، عجز فجائعي حيث الحالة الشعرية المتوهجة وكثافة اللحظة عصية عن اللغة أحياناً وأكبر من الفعل ..
وأنا أظمّك الليلة لى صدري)
(أدرك عجز العناق
فعل الإدراك هنا يأتي مناهضاً للوعي بالحالة .. هل ثمة فعل يمكنه أن يستجيب لكثافة الموقف ؟ أو هو (تباطؤ) الحواس الذي يبتز الكلام .. ويذيب الدفق الشعوري على حواف الانتباه المغاير ، هناك ما هو أكبر من متناول الإمكان ـ له بدايته الممكنة التي تموت بمجرد أن تستجيب اللغة ، وينفجر الكلام ، إذاً :
فـ ( لحظة اشتعال النار
ينطفئ الثقاب )

هناك جدل دائم بين مكابدة جمعة عبدالعليم للواقع ومكابدته للكلام .. بمعنى مكابدته للقصيدة .. جمعة عبدالعليم الذي كان يُفرح عائلته بإعلان استقالته من الشعر .. ليعود كل مرة أكثر إصابة به .. مثلما يعود المدمن إلى التبغ .. متردداً يلج عالم الشعر .. متردداً يخرج من القصيدة متبرئاً من أي إجابة أو قصد ..
(هذا الكلام الجموح
كلما حاولت اعتلاءه
هزّ رأسه العنيد
وسار على عواهنه)
عجز فادح تجاه ترويض اللغة .. اللغة التي تنفلت منه وتمضي دون لجام .. هل يحاول الشاعر هنا أن يعطي مبرراً لما يعيب بعض قصائده من الاسترسال المفرط .. والركض وراء إغواء الصور والإمعان في ممارسة لذة التذكر ، كل هذا الذي يعطي قصائده ظاهرها الوصفي الذي ربما وبامتياز ما تتركه في دواخلنا من دهشة سنحاول أن نبحث عن سياق تجاوري لهذا الوصف ليهبه بعداً رأسياً وجمالياً سيكون على المتلقي أن يحاول اكتشافه وبالتالي سيكون من مسؤوليته أن يعيد إنتاج النص من جديد ..
إذا ففي بعض قصائد جمعة عبدالعليم والتي تنفلت من الوصف المباشر يمكننا أن نكتشف مستويات عدة لقراءة النص ، ولنأخذ مثلاً قصيدة (رتابة) :
(كانت الشمس قد سافرت
وتركت أصابعها
فوق قبة السماء
نجوم تتباهى بأزيائها
وقمر خجول يجتر الفتات
في الصباح ..
تسللت بهدوء
لتضبط الحادثة
انطلقت صفارات الديكة
فسلم القمر نوره المسروق
ولاذت النجوم بالهرب
في المساء …
أخذت حماماً دافئاً
قبل أن تعود من جديد
تاركةً أصابعها ..
فوق قبة السماء )
في هذه القصيدة التي يغادر بها الشاعر ألفة المكان وجزئياته المحددة متتبعاً عبر نفس سردي دراما الأفق عبر تجلياته متأملاً فرشاة الشمس وهي تلون نهاية اليوم .. تسافر الشمس كعادتها .. ولا يبقى فوق السماء سوى أصابعها .. يمر الليل .. وفي يوم آخر تعود الشمس من جديد إلى لوحتها .. وتمضي .. ولا يبقى سوى أصابعها . هل افلح الشاعر في أن يوهمنا بأنه يلوذ بحالة رومانسية .. وأنه بعيد عن الواقع ؟
انطلاقاً من عنوان القصيدة (رتابة) فإن هذا المشهد اليومي يعكس سيرة ذاتية للشاعر الذي يتآكله تكرار المشاهد .. والتي كما تجيء تغيب باستمرار .. ولا يبقى هناك سوى الأصابع على قبة السماء .. أصابع الرسام على لوحته .. أصابع الشاعر على ورق القصائد .. لا يبقى سوى الكتابة ففي قصيدة (مفردات من الليل والاحتجاج) :
(الألوان التي تخلفت عن الشمس
لحظة الغروب
تقاربت
تباعدت
اختلطت
تبددت
ثم صارت دروباً
أمام مواكب الظلام)
القرية كمكان مفتوح على الجهات كلها ارتبطت بعلاقة حميمة مع الأفق بكل أثاثه ، وانفجار المكان عند الشاعر مساحة أكبر للمخيلة وللغة تتعرّى من مكتسبها وتتنطح لقول العالم كلّية .. لتهذي بما يعتري ذات المنشئ .. وهذا ما سوف يمنح الشاعر منفىً لرؤيته ورؤياه .. وقناعاً لما يعتريه من وجع ومعادلاً موضوعياً لإشكالياته في الواقع .. حيث يتم فتح الحواس على الخارج والأهم من ذلك يتم الإبطاء من سير هذه الحواس ..
يقول (كولون ولسون) : ( الفارق الأساسي بين الشعر والنثر ليس قضية الشكل بقدر ما هو المحتوى فالنثر على الدوام مسرع ليبلغ مكاناً ما ، أما حين تكتب أو تقرأ القصيدة فإنك بصورة أوتوماتيكية تخفف من سرعة نشاطك العقلي إلى وتيرة تعرف أن بمقدورها وحدها أن تخلف أثراً إذا كان العقل مسترخياً ) .
لذلك فما يمكن أن نمر عليه مرور البخلاء في مشهد الغروب .. يتأمله الشاعر بكرم حسي كفعل تشكيل تختلط فيه الألوان وتتباعد ثم تتبدد وتصبح دروباً أمام مواكب الظلام .
وعلى مستوى آخر هل يمكن أن نفصل هذا عما يحدث داخل الشاعر نفسه ؟ .. حيث تبدد الألوان ومواكب الظلام مؤشر على حال من العجز ما زالت تراود أسئلة الشاعر التي كثيراً ما يلقيها ويمضي ، إنني هنا أحاول أن أطارد شيئاً في هذه القصائد المراوغة وأجد نفسي تائهاً أحياناً ومنهمكاً وكأنه يصيبني بعدوى العجز .. ولكني معه سأحاول أن أسرب إليكم هذا العجز الإشكالي الجميل وهذا التيه المتسائل بدل الأجوبة الجاهزة .. واليقين المقيت ..
(يحدث أن أقول كلاماً غريباً
ليصبح القول غاية القول
يحدث أن أشهر السؤال الفارغ
في وجه أكذوبة الأجوبة)
وليكن السؤال فارغاً .. يكفي أنه سؤال . والذي هنا ربما ينقلنا من دائرة العجز إلى فضاء آخر .. إنه يفضي بالشاعر إلى إحساس بالعبث .. وإليكم ما قد يسعف :
(لا تهتموا كثيراً لما سأقوله الآن
فما سأقوله لا يتعدى مجرد القول)
أو
(حين ينتهي عبث المشاوير
تبدأ رحلة القمر)
أو
(كما لو أن الفراشة
تهب جناحيها
لجحود النار
والمطر ينزف لمزيد من الوحل)
هذه الأشياء تفقد منطقها ومعناها .. اللغة عاجزة .. والفعل لا يفضي إلى شيء والأسباب واهية نسبة إلى ما تفضي إليه كأن يرتكب غريب (ألبير كامو) جريمة قتل لأن الشمس كانت عمودية ، أليس هذا ما نعتقد حتى الآن أنه جوهر العبث ، وفي مستوى آخر لقراءة نصوص جمعة عبدالعليم سيحاول هو نفسه ، ويجعلنا نحاول معه ، أن يتلمس مكونات ذاته الراهنة عبر إعادة اكتشاف تاريخها ، أليس لكل ما يحس به الآن بذرة في الذاكرة ؟
في قصيدة (حفريات طفولية) والتي حسب مضمونها كان من المفترض أن تسمّى (حفريات الطفولة) ، في ذهه القصيدة يطرح إشكاليات التكوين ، وآليات التنشئة ضمن علاقات قاسية .. أو ضمن إطار تتراجع فيه القيم وفق شرطها الإنساني أو على الأقل هكذا يبدو .. تقول القصيدة :
(انتصف الليل
أتلمس المقابض الصدئة
أفتح أبواباً مشوشة
نباح .. عواء.. ونعيق
أمطار تسقط فوق أسطح من صفيح
عراك ودموع
وخوف يتشبث بقوائم الكوخ
………………..
انتصف الليل
استيقظ الحزن
جداول ملوثة بقطط ميتة
حقيبة متهرئة
أرجل تنتعل البرد والحصى
ويد غليظة تهوي على مؤخرة الرقبة
كانت أمي
حين يغربلها السباب
وتعجنها اللعنة
تتكور تنوراً .. على التنهدات
ولم تكن سيجارة أبي
في تلك الليلة
تكف عن الاشتعال
تومض لحظة التقائها بسحب بيضاء
ثم تنطفئ في صدره المحترق
………………..
انتصف الليل
ومصارعة الطلاسم
أمام فتيلة معمدة بالكيروسين
والمشاوير الصباحية الراكضة
اتقاءً لعصاة الزيتون
المحفور على جوانبه
العصا لمن عصى
ونقش الأصابع القاسية
على وجوه يصقل حمرتها
برد بيت ثامر القارص
………………..
كانت أمخي تحملني كل يوم
بإفطاري الصباحي
مغموساً بدعواتها الرطبة
وتتحايل على صديقي الأكبر سناً
كي يحمل عني الأسفار التي
لا أفقه عنها شيئاً)
إذا تناولنا هذا النص فهناك ما يقال عنه . السرد حتى التقرير أحياناً ، المعطوفات المتجانسة والمتطابقة أحياناً العرض الفوتوغرافي للصور و (الإبطاء) في فعله الأفقي .. ولكن من جانب آخر فإن هذه الحفريات كانت تتوخى الدقة والموضوعية وهذا الإيقاع المشهدي الصاخب الذي لا يهدأ إلا حين تدخله الأم يطرح المشاهد القاسية في إطار اتهامها أو إدانتها ، لذلك يرسمه بدقة من يرسم وجه مجرم هارب ومطلوب من العدالة ، هل هذا يبرر القصور الفني .. (لا أعتقد ذلك) .
إذا فلنتتبع هذا الخراب المتناسل وهذا السيناريو المرعب الذي ينبثق من مخزون الذاكرة : مقابض صدئة ـ نباح عواء ـ نعيق ـ عراك دموع ـ خوف ـ جداول ملوثة ـ قطط ميتة ت حقيبة مهترئة ـ كل ذلك كان لابد أن يفضي إلى يد تهوي على مؤخرة الرقبة ، وكان أيضاً على تنهدات الأم المعجونة بالسباب واللعنات أن تتحول إلى خبزه الحاف .. نعم خبزه القاسي .. ويظل التضاد بين الأم التي تتحول إلى تنورا يحترق جوفه من أجل رغيف والأب الذي يحترق جوفه مجاناً من جراء سيجارة تومض طيلة الليل ، يظل هذا التضاد مرتكزاً لذات تتشكل ضمن التناقضات ولإيقاع تبادلي في النص ، إن هذا الاجترار من جانبي قد يكون مملاً لمفردات القصية ليس فقط لمجرد إطالة المشاركة لأنني أتورط في الكتابة عن صديق .. ولكنني أحاول أن أعيد .. لأكتشف معه دروب القسوة التي جعلته عاجزاً وجعلته في نفس الوقت شاعراً .. هذا الماضي الذي أفضى إلى راهن للشاعر يستشرف من خلاله ضباب الغد والذي يقدم في قصائده في سياق لا يخلو من الشكوى والمكابدة حيث إمكانات الحلم تضيق وحيث المشقة درب لديه لاغتيال المخيلة وبالتالي لاغتيال القصيدة .. ففي قصيدة (عجز) مثلاً التي تعكس الراهن يقول محاولاً أن يعرفنا بنفسه :
(هل لديكم مزيد من الوقت
لأعرفكم بي
هو ذا أنا
كما أرادني أبي
أعمل ساعات ثمان
وأنام مثلها
أراوغ عبء العائلة
وأتسلل إلى جادة الليل
فيمنحني بياضاً
فوق طبق من الشهوة
وقلماً يسيل لعابه
عند أول اللمس)
يقدم نفسه واقعاً أو نتيجةً بالضبط كما أراده أبوه .. السلطة الأولى في تكوينه حيث موت الخيار والمبادرة أرض لولادة العجز والقلق المصوب إلى كثير من القيم .. وبعد يوم ضاج يخلد مثل قريته إلى ليل هادئ … ورقة مستسلمة وقلم متحفز يوردها الشاعر في سياق يوحي بالفعل الجنسي .. طبق من الشهوة ـ عند أول اللمس ـ غرفة النوم .. ليصل على مأزق القصيدة والشاعر في النهاية :
(عند أول اللمس
متشحاً بالوحدة
أعصر شهوة الكلام لمزيد من العجز )
إنه الراهن المرتبك وما أفضى إليه من عجز يأتي دائماً كمرادف لسؤال بلا إجابة .. أو لحظة توجس أكبر من اللغة ، لقد قال لنا جمعة عبدالعليم بأنه عاجز عن كثير من الأشياء ، لكنه هذا المساء لم يكن عاجزاً على أن يجمعنا حول شعره ..
وأخيراً فهذه محاولة لإنشاء حوار مع قصائد الشاعر التي تقدم ذاتاً مبدعة في ذروة علاقتها الإشكالية مع المحيط ومع التاريخ الشخصي .. هذا الجدل الذي سيكون زاخراً بالأسئلة والمعادلات الصعبة .. حيث لا تخلو قصائد جمعة عبدالعليم من بناء رياضي نسبة للرياضيات يمكنه أن يكون موضع ورقة أخرى …

لماذا هذه المدوّنة؟

لأنني أعشق القول، أعشقه مذ كنت طفلاً تتجمع أسرته حول حفرة النار في بيت الشَّعر الذي تطل نوافذه الصغيرة على النجوم والقمر، مذ كانت أكواب الشاي في مساءات الشتاء الباردة تحلّى بالحكايات والأساطير، مذ كانت أمي تناجي رحاها ـ وهي تعد لنا خبزها اليومي معجوناً بالغناء ـ تبثها الشكوى والحنين وتشكو إليها الغبن وضنك العيش ـ مذ كان القول تعويذةً لاتقاء الألم، ومذ صاحبنا هذا الألم المعجون بخبزنا اليومي أبد الدهر ظل القول الرفيق الأبدي الذي يسوّق قسوة الحياة….