23 فبراير 2009

مقاطع من سيرة الولد الرافض



" إلى روح ابني إبراهيم الراحل في ربيعه السادس عشر "






حادثة :

الولدُ المولعُ
بالقفزِ فوقَ الأوامرِ
المستَبيحُ …
نكهةَ النواهي
لا تُثنيه السقطاتُ
عن بهجةِ الصعود …
المُولعُ بالمخاطرة
- يعدو على
حوافِّ السطوح
ويعبرُ أمامَ
العرباتِ المسرعة –
متحدياً برودَ الموت ..
المُشاكِسِ الجريء
المُقبل بنهمٍ
على لذةِ الحياة
الولدُ الذي
فشلتُ أن أكونَهُ
فكانني ..
الواثقُ من ذاته
الرافضُ بشجاعةٍ
عفونةَ الوصايا
الولدُ البِدعة
الخارجُ عن النمط
سرَّب أخيراً
إلى الأسمنتِ الباردِ
دفء وجهه
المليءِ بالندوب
واحتضنَ الأرضَ
بيديه المتعاقبتين

تقرير :

العينانُ …
شاخصتان
الأنفاسُ مقطوعة
النبضُ متوقف
إنه ميت …!

رحلة :

مَهيباً …
تحرّك موكبه
صوبَ المقبرة
تَقَدَّمَهُ أقْرَانَهُ
يحملون باقات ِ الورد
وفي عجلةٍ صاخبة
كان قد وُورِيَ التراب !!
…………….
ولمّا فَصَلَتِ اللَّحظاتُ
قلتُ أنني
أجدُ ريحه
لولا أن تفندون
أراه الآن
وهو في المهدِ
يُعلِنُ صرختَهُ الأولى
وهو يتهجَّى
أولَ الخطى
وهو يسقطُ
ويقوم …
يتمردُ على الواجبات
يتحدى قسوةَ معلمه ..
وهو يكتبُ دروسه
بخطهِ الرديء
وهو يستفزنا
بشقاوته …
أراني الآن
وانأ أقبّله
أشتري له
بذلة العيد
أعاقبه … واندم
أقسو عليه
وأنا أعجب بعناده
وحين اخلد للنوم
أحبه .. وأدعو له
أراه الآن
وهو يأكل
وهو ينام
وهو يلعب
وهو يخرج متسللاً
أراه الآن
وهو ملقى
على الأرض
يسرب للاسمنت البارد
دفء الحياة

دهشة :

وكأنه لم يملأ
هذا البيتَ صخباً
وكأنه …
لم يشاكس
إخوته
ومعلميه
وكأنه لم يضع
إصبعيه القصيرتين
في عينِ الحكمة
وكأنه لم يترك
البيتَ ميْتاً
ولم يُعِدْهُ للحياة
بطرقاته العنيفة
وكأنه لم يحمل
عبءَ حقيبته
صوبَ المدرسة
وكأنه لم يقلِب البيتَ
بحثاً عن جواربه
هو فقط
ملقى على الأرضِ
يسربُ للأسمنتِ البارد
دفءَ روحه …

واقع :

الضَجّةُ الكُبرى
تخفت …
رويداً رويداً
الأصدقاء يبتعدون
الأقارب يتناقصون
النواح يخف
وتتسلل …
بعضُ الضحكاتِ المترددة
الحياة تمضي …
غير عابئةٍ بطفلٍ
سربَ إلى الاسمنتِ الباردِ
دفءَ ابتسامته
نلوكُ الساعات
سمجة … ثقيلة
ونتجرعُ …
مع فناجينِ
القهوةِ المرّة
كلامَ المعزين
الذي يفترض
بداهةَ الموت !!

عبق :

في كلِ زاوية
لُعْبَةٌ مرميّة
ذكرى …
يستنهضها الفقدُ
صفعةٌ قاسية
قبلةُ عيدٍ
على رأسٍ أشيب
كراسةٌ لم تكتمل
وكتابٌ مفتوحٌ
على آخرِ درس
على هذا الجدار
خطُّك الركيك
وفي تلك الزاوية
رسومك الساخرة
التقيك …
كل يوم
في دموعِ أمَّك
المنسابةِ كجدول
في نواحها الذي
يُقطّع القلب
في ذكرياتي معك
حين يضطرني
ما تجرعتُ
من يقينٍ كاذب
لأن أكونَ صارماً
وولهي بك
يملأ قلبي
أقمعكَ …
وفي أعماقي
فرحٌ بتمردك
بروحك الرافضة
بشهامتك …
وأنت طفلُ القريةِ
الذي يقومُ
على شئونها ..
تحبك العجائزُ
عكازاً لشيخوختهن
رباتُ البيوتِ
رسولاً لطلباتهن
زملاؤك …
تحملُ بشجاعةِ رجلٍ
مسئوليةَ ما يقترفون
من ذنوبٍ صغيرة ..
مرحٌ .. لَعِبٌ
تمردٌ .. سخرية
يا صغيري …
من أين
… جاءتك الحكمةُ
لتدركَ سرَّ الحياة ؟!

حقيقة :

لن يعود
لن يزرعَ الشَّغبَ
من جديد
في حياتنا الجرداء
لن يرميَ
روحَه المتمردة
في مفاهيمنا الراكدة
الحياةُ تقفُ هنا
لتتغير …
أنا وأمَّه
يتعكز كلانا
على ما يبديه الآخرُ
من كبرياء كاذب
في الصباح الباكرِ
وأنا أتناولُ
كوبَ الحليبِ الباسلِ
أشعرُ بفراغِ العالم ،
حين تختفي
ملابسه ..
على حبلِ الغسيل
حين تنتظمُ العائلة
حولَ مائدةِ الطعام
فيخلو مكانه ،
بقسوةِ الموتِ
حين ينتزعُ منا
مِلحَ البيت …

يقين :

كلما ..
خفت الضجةُ
يتجذرُ الألم
كلما سادَ السكونُ
يصفو …
قاعَ الحزن
بيني وبين الغطاءِ
طفلُ يسربُ للأسمنتِ
دفءَ ابتسامته
بيني وبين النومِ
أرق عنيد …
……………….
…………………………..
أشكو بثي وحزني
إلى الله ……….
إلى يده الكريمة
تُربّتُ على قلبي
إلى الله الذي أودعتُه …..
فلذة كبدي
يودِعُني …
سلواناً وصبرا ..
حكمة :
أقبلَ على الحياة
يكسِّر قواعدها
يستبيح …
له ولسواه
ما نخضعه لسماجة القسمة !!
يهرّب …
للأقارب والجيران
ما نخبئه
في خزانة المطبخ
يُطعِمُ ……….
الباعة المتجولين
ويحمل أمتعتهم !!
يطارد ..
بهائم الجيران الشاردة
ويعيدها إلى حظائرها
وحين غادر الحياة
كان وجهه للأرض
وظهره للسماء
وعلى زاوية الفم
شبحُ ابتسامةٍ ساخرة …
زيارة :
السلام عليكم
يا إبراهيم …
يا فتىً ألفته
فلمّا بلغ
معيَ العشقَ
رأيت أنني افتقده
اجعل قبرك روضةً
من رياض التمرد
ولا تجعله حفرةً
من حفر الانصياع
………………
أمك تقرؤك السلام
حمَّلتني بكلمات
تختلط بالدموع
أن أقرأ لك الفاتحة …
جدتك تفتقدك
وأصدقاؤك يحيونني
بأدبٍ زائد
كلما مروا
مخبئين في عيونهم الصغيرة
ظلالَ شفقة ..
البيت بدونك
بِركَةٌ من الصمت
الأشياء التي توضع
لا تتحرك
من مكانها
الأبواب لا
تطرق بعنف
وصوتي لم يعد يعلو
اغفر لي …
كلَ جهلٍ
حاول َ أن يؤطرَ
روحَكَ الثائرة
في أيقونةِ القيم
كل حكمةٍ بائسة
حاولتُ بها
أن أكبِّلَ
انطلاقةَ الحياة
اغفر لي جهلي
بأنك سوف
تغادرُ سريعاً

(من ديوان نشوة القول)

هناك 3 تعليقات:

  1. عبدالله الشلماني28 أبريل 2009 في 5:53 م

    لم أعرف ابنك إبراهيم البتة .. أبداً .. فقط عرفته من خلال كلماتك .. ولكنني بكيته .. صدقني أخي لقد بكيته .. أحسن الله عزاءك .. وجمعك به هناك .. حيث الطهارة في كل شيء .. حيث تلتقيان في عالم أجمل وأحلى وأنقى ..

    ردحذف
  2. عبدالكريم فضل الله30 أبريل 2009 في 7:24 ص

    {وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوفْ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الأَمَوَالِ وَالأنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ }البقرة155

    والله لقد فقدت ابراهيم كما فقدت الكاسح
    خوي جمعة

    الصبر خير مرجاه مضمون،،، لوطالن عليه المدايد
    مجعول للدهر وين ما يخون وللجرح كيف الضمايد

    ردحذف
  3. بكيت لبكائك فقد جددت حزني ، كلماتك عبرت عن فقدي لزهرتي ذات السبعة عشر ربيعا، اختطفها الموت واحتضنها التراب بعد حضني.
    القلب ليحزن والعين لتدمع ولا نقول إلا مايرضي الرب فإنا لله وإنا إليه راجعون

    ردحذف